ابن حزم

105

رسائل ابن حزم الأندلسي

والمجانين « 1 » ومن جرى مجراهم « 2 » . فإن قال قائل : « فإن هذا الكلام الذي ذكرت يدل على أن قائله لا يعقل أو أنه مريض » ؛ قيل له وبالله تعالى التوفيق ، إنه لم يدلك على ذلك « 3 » بمعناه ، لكن لما فارق كلام أهل التمييز كان كالدليل على آفة بصاحبه . وأيضا فقد يظهر مثل هذا الكلام من حاك « 4 » أو مجّان ، فلا يدل على أن صاحبه لا يعقل . فليس ما اعترض به هذا المعترض حقا . وهذا العلم إنما قصد به ما يكون حقا ، وتخليصه مما قد يكون حقا وقد لا يكون . ثم نرجع فنقول : إن الصوت الذي يدل على معنى ينقسم قسمين : إما أن يدل بالطبع وإما أن يدل بالقصد . فالذي يدل بالطبع هو كصوت الديك الذي يدل في الأغلب على السحر ، وكأصوات الطير الدالة على نحو ذلك ، وكأصوات البلارج والبرك « 5 » والإوز والكلاب بالليل الدالة في الأغلب على أنها رأت شخصا ، وكأصوات السنانير في دعائها أولادها وسؤالها وعند طلبها « 6 » السفاد وعند التضارب ، وكل صوت دلّك بطبعه على مصوته كالهدم ونقر النحاس وما أشبه ذلك من أصوات الحيوان غير الإنسان . فهذه إنما تدل على كل ما ذكرنا بالعادة المعهودة منا « 7 » في مشاهدة تلك الأصوات ، لا أنا نفهمها كفهمنا ما نتخاطب به فيما بيننا باللغات المتفق عليها بين الأمم التي نتصرف بها في جميع مراداتنا . فهذه الأصوات التي ذكرناها « 8 » لم نقصدها في كتابنا هذا إذ ليس يستفاد منها توقيف على علم ولا تعليم صناعة ولا إفادة خبر وقع . وأما الصوت « 9 » الذي يدل بالقصد فهو الكلام الذي يتخاطب الناس به فيما

--> ( 1 ) م : من المجانين والمبرسمين . ( 2 ) س : مجراهما . ( 3 ) س : إنه يدلك ذلك . ( 4 ) م : حاكي . ( 5 ) في م س : البلرج ، والبلارج : طائر كبير طويل المنقار ، والبرك : جمع بركة وهو طائر من طيور الماء أبيض ، والبرك أيضا الضفادع . ( 6 ) م : سؤالها ودعاء أولادها وعند طلب . ( 7 ) س : مما . ( 8 ) م : ذكرنا . ( 9 ) الصوت : سقطت من م .